عدد الرسائل: 41 العمر: 61 الموقع: http://nagy_elsonbaty.maktoobblog.com تاريخ التسجيل: 25/02/2008
موضوع: ذكريات الارض والحرب والحب بقلم :ناجى عبدالسلام السنباطى(الجزء الخامس)يتبع السبت أغسطس 30, 2008 1:49 am
كانت الساعة الثانية وخمس دقائق ، وهم يعبرون خط القناة ، وإتجهوا إلي عمق سيناء وكان القذف مركزا وحاسما علي مطارات ومواقع صواريخ الهوك ، ومخازن التموين والزخيرة والأسلحة الثقيلة ، والرادارات وكانت الطائرات كثيرة وعديدة بلغت أكثر من مائتى طائرة وقد نجحت في قذفها المركز لقد إتخذت الطائرات لأول مرة ، قرار المبادءة بقرارمن القيادة ولم تفاجأ ، كما فوجئت في حرب 1967 ،( ( وهي رابضة في مطاراتها ) . لم تكن الطائرات إلا جسد بلا روح بدون طياريها ) ، لقد عاشوا الهوان بعد ذلك ، ليأتي اليوم الذى يمحون فيه عار سنين مضت .
الطيار يكلف اليوم مليون جنيه وهذا الاستثمار ، لابد له أن ينتج ، وليس معني الإنتاج ، أن نقتل من أجل القتل بل كان الهدف أسمي وأرقي ، كان يدافع عن العرض وعن الأرض ، عن كل شئ وكانت الروح عالية.
عندما يسحب الطيار نفسه ، إلي داخل طائرته ينسي كل شئ إلا هدفه قد يمر شريط سريع من الذكريات ، عن أسرته وعائلته وإخوانه وأصحابه إلا أنه يمر سريعا في ذهن
صاحبنا وبطلنا ،الطيار صاحب حسابات دقيقة ولم يعد اليوم ، مجرد رجل حربي أنه يحسب حسابات رياضية معقدة ، كل هذا في ثوان عليه أن يحسب كل هذا وأن يمر علي إرتفاعات منخفضة ليهرب من الرادار ، ثم يصعد إلي أعلي ليهبط حمولته علي الموقع المخطط ، كل هذا وتقابله مشاكل عديدة ، من وسائل الدفاع الجوي أو بروز طائرات العدو .
كل ما يكون وما كان ، لحظات حاسمة ودقيقة ، تحسب في سرعة البرق والحديث عن طيارينا حديث طويل يمتد بعمر زمن هذا السلاح ، الذي يبلغ اليوم واحد وخمسين عاما ، خبرة ومران ومراس فى كل يوم جديد في هذا العالم ، وكما يقال " الرجل قبل الالة " قول حق وفعل أظهر ذلك ، لا أتحدث عن ( أخو الرئيس ) ، الذي إستشهد في أول طلعة ، فهو مثله مثل غيره ، مواطن من أبناء مصر ، أعطي نفسه لبلده ، ويعلم ذلك يوم دخل هذا السلاح ويوم عبر ويوم إستشهد ، ولا أتحدث عن نجاح الضربة التي هي بحق مفتاح النصر ، لقد كانت إسرائيل تعتمد علي القوات الجوية ، في كسب الحرب ، ضربة جوية مركزة ، وهجوم بري بالمدرعات وإختراق لجيش العدو ، بها كانت تكسب الحرب ، واليوم يحدث العكس تتلقى الضربة الجوية دون أن تدرى أن ساعة الحرب بدأت فى الساعة الثانية بعبور الطائرات المصرية ، وليس الساعة السادسة مساء كما علمت ، في يوم من أيام رمضان من شهر اكتوبر يوم عيد من أعيادهم أتحدث عن كل هذا وليس حالة بحالها ، وإن خط قلمي يخط مثالا عن طيارين إندفعوا بطائراتهم ، بعد ان أصيبت لتحطم موقع العدو ، هنا تحول طيارنا إلي طوربيد بشرى جوي فجر به نفسه داخل موقع العدو ، هنا جاءت لحظة التفجير ، التي تحدثنا عنها حينما ينتقل المرء ، من حالة الفعل إلي حالة العبور الروحي ، هنا ، تنقطع كافة الاتصالات عدا إتصالات الروح بعالم غير منظور لنا جميعا عالم ما بعد الشهادة ، بكل مالا نعرفه أو حتي نعرفه عن هذا العالم 0
لم تقتصر مهمة الطيران علي هذه الضربة ، بل تعداها إلي مهمات متعددة في معاونة القوات والأسلحة الاخري ، وفي الابرار الجوي لرجال المظلات ورجال القوات الخاصة وفي نقل المؤن والمهمات والأغذية ، وفي إخلاء الجرحي وغير ذلك من المهام الكثيرة التي يعجز القلم عن وصفها ، ووصف مثيلتها في ميادين القتال المختلفة ، فما نحن إلا( كتبه) ، نخط الحبر فوق الورق ، فعلناه منذ كنا صغارا في المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية والجامعية ورق نخطه ، كلام نقوله ، مكتوبا أو مذاعا أو مرسوما ، ولكننا كتبنا بالحبر وكتبواهم بالدم ، كتبوا بالدم ، أعظم الكتابات ، ورسموا بالدم
أعظم اللوحات ، ونطقوا جميعا في الجو وفي البر وفي البحر
الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر
*************************************
إشرابت أعناق الجنود ، في مواقعهم ، ليروا الطائرات ، تمر من فرق القناة ظلال ، أو غمامة ، كان أثرها في النفوس عظيما ، فهي كغمامة المطر ، تروي بماء حملت به ، " حينما تمطر " الأرض والزرع والإنسان ، وهي أبدا لم تكن كغمامة المشاكل الثابتة غير المتحركة تعصر النفوس 0
كانت البداية عبور الطائرات ، وعودتها من هجمتها المركزة ، والجنود يتابعون ، ويستعدون ، وقد فضت المظاريف ، بساعة الصفر من قبل ، وكانت المدافع ، تسحب من غمدها ، مبتسمة فرحة كإنسان ، وكان الجنود يناجون أسلحتهم ، مناجاة الحبيب للحبيب ، وفرحة عمت كل شئ
وكنا نحن في أعمالنا ، خلف خط الجبهة مباشرة ، فكما قلت ، كنت أعمل بدمياط نقلا من الإسكندرية ، وقبل أن يصدر البيان الأول من أجهزة الإعلام المختلفة ، ببدء القتال ، رأيت بعيني ، طائراتنا ، وهي تتنقل إلي الجبهة وهي عائدة من الجبهة جبهة القتال الممتدة بطول القناة ، جبهة القتال الهادئة ، والتي تحولت إلي نشاط مكثف ، بعد الساعة الثانية من يوم 6 أكتوبر 0
عبرت الطائرات ، وإنطلقت مدافعنا ، مزمجرة بأكثر من 2000 مدفع ، لتبدأ دكةالمدفعية الثقيلة ، في وقت واحد ، وفي إتجاه ، خط برليف المقابل لنا في الوقت ذاته ، كانت الأسلحة المختلفة ، تستعد للعبور ، فالحرب عبارة عن سيمفونية متناسقة ، ليس فيها نشاز ، كانت الأسلحة تستعد للعبور ، كيف يكون هذا ؟ وكيف تم هذا ؟ هذا الهدوء المميت وجماعات الكسل ، علي حد تعبير أحد القادة ، والعجوز الذي يحاول بصبر إصطياد السمكة ، وهي تحاوره ، وهو صابر ، والطير الذي عبر في غمامة ، فإذا هو طائراتنا ، والعدو الذي نام علي إنتصاره ، فلم يلحظ ولم يستعد ، وكأننا فاجئناه وسرواله مفككا ، وقد أصابته غشاوة كما حدث للمتربصين بالرسول عليه السلام ، وهو في طريقه إلي المدينة 0 وكيف ؟!! ألف سؤال وسؤال !!
زمجرت المدافع ، وإنطلقت تلقي بالحمم ، وأعدت معديات العبور للمشاة والمدرعات .وعمل سلاح المهندسين في سبيل نصب المعابر اللازمة ، لعبور المدرعات الكاملة 0
عبر الجنود بواسطة المعديات ، كل في اختصاصه ، تحت ساتر سلاح المدفعية وكل منهم له مهمة محدودة ، فحمل الجنود المتصدين للمدرعات حتي يتم عبور المدرعات المصرية ، حملوا بالأسلحة المضادة للدبابات ، المحمولة علي الكتف ، وكانت مهمته منع مدرعات العدو في الخلف ، عن التقدم للأمام ، وحمل جنود الصاعقة ، لاقتحام خط برليف ، مع جنود المشاة ، وأنزلت قوات خاصة في عمق العدو ، لتقطع وسائل الإمداد والتموين والذخيرة وأيضا لصد مدرعات العدو فى العمق، وإحداث الذعر في قوات العدو ، وكانت هناك قوات فتح الثغرات ، لإقامة المعابر اللازمة للمدرعات والقوات الثقيلة ، وإستخدمت خراطيم المياه ، بماكينات مص وضخ قوية لتفتيت ساتر التراب الضخم ، لقد كانت فكرة أحد المهندسين بسلاح المهندسين ، كانت الوسيلة الأكثر ملائمة ، لتفتيت هذا الساتر الترابي الضخم ، في وقت سريع وحاسم ، وحدثت تدريبات كثيرة ، وتعديلات في الماكينات اللازمة ،حتي وصلنا إلي هذا الانجاز الضخم.
*****************************
رقص الناس في الشوارع ، فرحا ، وتجمعوا حول المذياع ، وتابعوا التليفزيون ، وقرءوا الصحف فرحين مستبشرين ، بهذا الشهر العظيم ، لقد كانت أياما عظيمة فعلا ، وكان فرحنا ورقصنا، كرقص 67 ، حينما سمعنا بيانات مزيفة ، لم يكن !! كان الواقع مختلفا تماما ، كان القول بمقدار الفعل ، وجمع الناس بين العمل والفرحة ، فإنطلق كل في عملة بإخلاص ، وتحركت فرق الدفاع المدني تؤدي عملها ، وفي المستشفيات قامت الهيئات الطبية بعملها بدرجة عالية من الفن والجهد والإخلاص . كانت المستشفيات ، تستقبل الحالات المختلفة في عمل دائم طوال الليل والنهار 0 وتحركت النساء في زيارة للجرحي ، لرفع روحهم المعنوية ، وتحركت قوافل الفنانين والفنانات لنفس الغرض 0
***********************
حينما يكون الهدف عظيما ، وحينما يكون العمل عظيما تجد الناس ، وقد أعطوا كل ما لديهم بنفس العظمة ، إن الموقف ، يحدد العظمة المتبادلة ، بين من أدي ، كقائد أو جندي وبين شعب هذا القائد ، وشعب هذا الجندي ، إنها معادلة داخلية ، لا تخضع للتحليل ، أو التقييم العملي بمعناه 0 الظاهري ، وإنما هي جاذبية تلقائية ، تظهر في مثل هذه المواقف ، فالمواقف هي المحك الرئيسي للرجال ، وقس علي ذلك ، كل الأعمال الجليلة ، وقارنها بما سبق ، وضعها أمام نظرك وإجاهك وأمام شاشتك ومرآتك 0
كان الجميع يعيشون نفس المستوي ، وعلي مستوي الاسرة ، وعلي مستوي العائلة كان الجميع يعيش كل ذلك ، وتذكرت في هذه الأيام ، والدي الذي توفي مايو 1967 ، ولو عاش إلي ما بعد يونيو 1967 ، لمات مرة أخري ، لقد كان يحب هذا الوطن ، ويعمل من أجله في حدود عمله
وقريته ، وبيئته ، وتذكرت فرحة والدتي ، علي بساطتها ، التي عتبت يوما ، لأنني تبرعت بدمي ، فلما شرحت لها الموقف ، سعدت ولكنها عاطفة الأمومة ، القلقة والملتاعة ، علي إبنها وهاهى اليوم سعيدة بالانجاز العظيم0
كانت صورة أسرتى صورة كل أسرة ، نسخ متعددة من نفس الأصل ، أصل من المحبة والإخلاص والنقاء أصل من البساطة والطيبة ، لا تسميها سذاجة ، وإنما هى الحياة ، بدون روتوشها ، بدون مكياجها بدون شعر إصطناعي ، بدون إكسسوارات ، إنها حياة القرية بكل معانيها ، ومهما إختلف الزمان أو المكان ، فالجذور عميقة في طينة الأرض 0
********************
بينما كان هذا ، كان العالم كله ، يرهف أذنيه ، لهذا الحدث الكبير، وكانت ردود الأفعال مختلفة، وقطعت دول البترول العربية بترولها عن العالم تضامنا مع هذا الحدث الجليل ، وشاركت بعض الدول العربية بقوات رمزية ، ووردت الدبابات الجزائرية ، مشاركة في الحرب ، ومن يوغوسلافيا وردت المساعدات.
إنها حقائق في قصة الحرب تعطي لكل ذي حق حقه وما دمت لا تستطيع أن تكون قادرا فلن يساعدك أحدا ، عليك أن تثبت ذلك لكى يقف العالم بجانبك ، فالأيام غير الأيام والزمان غير الزمان ، فالحياة تمور اليوم بصراعات عنيفة ومصالح وعلاقات متشابكة وان لم تكن علي هذا المستوي الذي كان في رمضان ، فلن يلتفت إليك أحد ، إنها حال الحياة وما أمامنا الا أن نكون علي نفس الحدث ، وكنا كما أردنا 0